مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
142
شرح فصوص الحكم
من فهم عن اللّه وأورد شاهدا على ثبوت ذلك المعنى فقال : ( ألا ترى عادا قوم هود عليه السلام كيف قالوا ) حين ظهور العذاب لهم في صورة السحاب ( هذا عارض ) أي سحاب ( ممطرنا ) أي ينفعنا بإنزال المطر ( فظنوا ) هذا القهر ( خيرا ) أي لفظا ورحمة لهم فحسن ظنهم باللّه فعاملهم اللّه بإعطائه لهم جزاء حسن ظنهم ( باللّه ) من الجهة التي غير ما تخيلوه ( وهو ) أي الحق ( عند ظن عبده به فاضرب لهم الحق عن هذا القول ) أي عن قولهم هذا عارض لحسن ظنهم به ( فأخبرهم بما هو أتم وأعلى مما تخيلوه في القرب فإنه ) أي الشأن ( إذا أمطرهم ) أي إذا أعطاهم الحق مما تخيلوه ( فذلك ) الأمطار ( حظ الأرض وسقي الحبة ) المزروعة في الأرض ( فما يصلون ) هذا القوم ( إلى نتيجة ذلك المطر إلا عن بعد ) وهي حصول الغذاء الجسماني من حظوظ أنفسهم فما يحصل هذه النتيجة من المطر إلا بعد مدة مديدة بخلاف إهلاكهم فإنه يوصلهم في الحال إلى مشاهدة ربهم فهم متلذذون بأرواحهم بهذه المشاهدة ولو عذبوا من وجه على الأبد . ولما بين أحوال قوم هود عليه السلام شرع في بيان إشارات الآية ولطائفها بقوله : ( فقال لهم هو ما استعجلتم به ريح ) حاصلة لهم ( فيها عذاب أليم فجعل ) الحق ( الريح إشارة إلى ما فيها ) أي في الريح ( من الراحة لهم فإن بهذه الريح يريح ) الحق ( أرواحهم من هذه الهياكل المظلمة والمسالك ) أي الطريق ( الوعرة ) أي الصعبة ( والسدف ) بضم السين وفتح الدال جمع سدفة أي الحجاب ( والمدلهمة ) أي الليل المظلمة ( و ) إشارة إلى أن ما ( في هذه الريح عذاب أي أمر يستعذبونه إذا ذاقوه إلا أنه ) إلا أن ذلك الأمر اللذيذ ( يوجعهم لفرقة المألوفات ) فجمع اللّه الرحمة والعذاب فيهم فيرحمهم اللّه بالرحمة الممتزجة بالعذاب في دار الشقاء فما كان في حق المشركين من اللّه إلا هذه الرحمة لا غير فإن الرحمة الخالصة من شوب العذاب مختصة للمؤمنين في الدار الآخرة تفريقا بينهما أكمل تفريق قال بعض الشراح في هذا المقام أن اللّه تعالى هو الرحمن الرحيم ومن شأن من هو موصوف بهذا الصفات أن لا يعذب أحدا عذابا أبدا . تم كلامه ، هذا كلام صادق لكنه لا يعلم هذا العارف أن بعض العباد يقتضي شأنه بحسب عينه الثابتة أن يعذب عذابا أبديا فيعذبه اللّه على مقتضى شأنه أبدا ( فباشرهم ) أي الحق ( العذاب ) حتى خلصوا عن الهياكل المظلمة فيصلوا في الحال إلى الغذاء الروحاني وهو مشاهدة ربهم ( فكان الأمر ) الحاصل لهم بالهلاك ( إليهم أقرب ) ومتعلق أقرب قوله إليهم ( مما ) أي من الذي ( تخيلوه ) فإذا باشرهم الحق بالعذاب ( فدمّرت كل شيء بأمر ربها ) أي قطعت الريح تعلق أرواحهم بظواهر أبدانهم ( فأصبحوا ) أي فصاروا ( لا يرى إلا مساكنهم وهي جثتهم ) أي أبدانهم ( التي عمرتها أرواحهم الحقية ) وهي الروح التي قال اللّه تعالى : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي * [ الحجر : 29 ] ( فزالت ) عنهم ( حقية هذه النسبة الخاصة ) وحقيتها كونهم على صورة الحق من العلم والحياة والقدرة